المقريزي
128
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فيه نخل كثير من نخل المقل ، ومن جملة ما رأيت فيه نخلة من المقل عددت لها سبعة رؤوس مفرّعة منها ؛ فذاك الجامع هو المعروف ب « جامع راشدة » . وأمّا هذا الموجود الآن فمن عمارة الحاكم « 1 » . ولم يكن في بناء الجوامع أحسن من بنائه . وقيل عمّرته حظيّة الخليفة وكان اسمها راشدة ، وليس بصحيح ، والأوّل هو الصّحيح « 2 » . وفيه الآن نخل وسدر وبئر وساقية رجل ، وهو مكان خلوة وانقطاع ، ومحلّ عبادة وفراغ من تعلّقات الدّنيا . قال كاتبه « ( a » : هذا وهم من ابن المتوّج في موضعين : أوّلهما : أنّ راشدة عمّرت هذا الجامع في زمن فتح مصر ، وهذا قول لم يقله أحد من مؤرّخي مصر . فهذا الكنديّ ثم القضاعيّ - وعليهما يعوّل في معرفة خطط مصر - ومن قبلهما ابن عبد الحكم ؛ لم يقل أحد منهم إنّ راشدة عمّرت زمن الفتح مسجدا ، ولا يعرف من هذا السّلف - رحمهم اللّه - في جند من أجناد الأمصار التي افتتحتها الصّحابة - رضي اللّه عنهم - أنّهم أقاموا خطبتين في جند « ( b » واحد . وقد حكينا ما تقدّم عن المسبّحي - وهو مشاهد ما نقله من بناء الجامع المذكور في موضع الكنيسة بأمر الحاكم بأمر اللّه وتغييره لبنائه غير مرّة ، وتبعه القضاعي على ذلك . وقد عدّ القضاعيّ والكنديّ في كتابيهما / المذكور فيهما خطط مصر ، ما كان بمصر من مساجد الخطبة القديمة والمحدثة ، وذكرا مساجد راشدة ، ولم يذكرا فيها جامعا اختطّته راشدة ، وذكرا هذا الدّير ، وعيّن القضاعي اسمه ، وأنّه « ( c » هدم وبني في مكانه جامع راشدة . وناهيك بهما معرفة لآثار مصر وخططها . والوهم الثّاني : الاستدلال على الوهم الأوّل بمشاهدة بقايا مسجد قديم . ولا أدري كيف يستدلّ بذلك ؟ فمن أنكر أن يكون قد كان هناك مسجد ؟ بل المدّعى أنّه كان لراشدة مساجد ، لكنّ كونها اختطّت جامعا هذا غير صحيح .
--> ( a بولاق : مؤلفه . ( b بولاق : مسجد . ( c وأنّه : ساقطة من بولاق . ( 1 ) ابن دقماق : الانتصار 4 : 78 ( نفس النص نقلا عن ابن المتوّج ) . ( 2 ) ابن الزيات : الكواكب السيارة 183 .